ابن خلدون
292
تاريخ ابن خلدون
مشيختها ولما التاثت أمورهم وتلاشت أحوالهم خرج محمد بن أحمد بن علي مبتغيا للرزق والمعاش وطوحت به الطوائح إلى بلد القل وكان منتخلا للطلب والكتابة فاستعمل شاهدا بمرسى القل أيام رياسة الحاجب ابن أبي عمرو وكانت له صحبة مع حسن بن محمد السبتي المنتحل بنسب الشرف وكانا رفيقين في مطارح اغترابهما فسعى له في مرافقة الشهرة فأسعفا واتصلا بابن أبى عمرو فحمد مذاهبهما ولما نزع الشريف عبد الوهاب زعيم تدلس إلى طاعة الموحدين أيام التياث أبى حمو بخروج محمد بن يوسف عليه واعتلال الدولة ودخل في أمر ابن أبي عمرو وجملته فبعث محمد بن أبي عمرو هذا وصاحبه إلى تدلس واستعمل حسن الشريف في القضاء ومحمد بن أبي عمرو في شهادة الديوان فلما برئت الدولة من مرضها واستفحل أمر أبى حمو وتغلب على تدلس وصار رئيس الفتيا من الامام لاقتضاء طاعتها وانفاذ أهلها على السلطان في الوفد واستقر بتلمسان يومئذ واستعملا في خطة القضاء متعاقبين أيام بنى عبد الواد وأيام السلطان أبى الحسن وتعصب على ابن أبي عمرو أيام قضائه جماعة من مشيخة البلد وسعوا به إلى السلطان أبى الحسن وتظلموا فأشكاهم على علم ببراءته واختصه بتأديب ولده فارس هذا وتعليمه فأفرغ وسعه في ذلك وربى ولده محمدا هذا الحاجب مع السلطان أبى عنان توأما وخليلا وألقى عليه محبته حتى إذا خلص له الملك رفع رتبة محمد بن أبي عمرو هذا ورقاه من منزلة إلى أخرى حتى إذا أربى به على سائر المراتب وجعل إليه العلامة والقيادة والحجابة والسفارة وديوان الجند والحساب والقهرمة سائر ألقاب دولته وخصوصيات داره فانصرفت إليه الوجوه ووقفت ببابه الاشراف من الأعياص والقبائل والشرفاء والعلماء وسرب إليه العمال أموال الجباية تزلفا وطال أمره واستيلاؤه على السلطان ونفس عليه رجال الدولة ووزراؤها ما آتاه الله من الحظ حتى إذا خلالهم وجه السلطان منه عند نهوضه إلى بجاية حامت أغراض السعاية على مكانه فقرطس وألقى السلطان أذنه إلى استماعها فلما رجع من بجاية وكانت له الدولة على السلطان وجد عليه في قبول ؟ ؟ ولقيه مغاضبا فتنكر له السلطان ثم تجنى بطلب الغيبة عن الدولة يحتسب من الاعراض عنه ورجع إلى الرغبة في الإقالة فلم يسعف وعقد له على حرب قسنطينة وحكمه في المال والجيش وارتحل في شعبان من سنة أربع وخمسين واحتل ببجاية آخرها ونصب الموحدين تاشفين ابن السلطان أبى الحسن المعتقل عندهم من لدن عهد المولى الفضل واعتقاله إياه فنصبوه للامر لتفريق كلمة بنى مرين وجمعوا له الآلة والفساطيط وقام بأمره ميمون بن علي لمنافسته مع أخيه يعقوب وتسمع بخبره يعقوب